اختُتمت يومان من المعارك العنيفة داخل مثلث تبلغ مساحته نحو 300 كيلومتر مربع في شمال كردفان بسيطرة الجيش السوداني على خمس بلدات، وتفكيك أحد أهم الممرات اللوجستية التي كانت تعتمد عليها قوات «الدعم السريع»، في أكبر هجوم بري ينفذه الجيش منذ استعادة الخرطوم العام الماضي.
وأدت هذه التطورات إلى تأمين طريق الصادرات الذي يربط شمال كردفان بأم درمان، كما أعادت فتح طريق إمداد مباشر باتجاه الأبيض، عاصمة الولاية، وأزالت واحدة من أبرز نقاط الضعف التي كانت تواجه الجيش في وسط السودان.
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
فيديو لحظة إطلاق النار على ترمب.. أبرز اللقطات التي وثقت الحادث والتفاصيل الكاملة
وتشمل المنطقة التي شهدت العمليات أم سيالة من جهة الشرق، وجبرة الشيخ شمالاً، وبارا جنوباً. وكانت «الدعم السريع» تستخدم هذا المثلث كمحور مهم لاستقبال التعزيزات القادمة من دارفور، مستفيدة من طريق الصادرات وعدد من المسارات الترابية التي تسمح بتحريك القوات وإعادة انتشارها بسرعة.
وأعلن الجيش السبت الماضي استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، ثم أعلن في اليوم التالي السيطرة على أم قرفة وجريجخ، لينهي بذلك عملية عسكرية خاطفة استمرت يومين، بينما قال مصدر عسكري إن التحضير لها استمر لأسابيع.
عملية منسقة عبر ثلاثة محاور
وبحسب المصدر، عمل الجيش خلال الفترة السابقة على تشتيت تركيز «الدعم السريع» من خلال تحريك قواته وتنشيط عدد من الجبهات في غرب دارفور بالقرب من الحدود التشادية، إضافة إلى محور الصحراء الشمالية وجنوب النيل الأزرق.
ومع بداية الهجوم، تقدمت قوات الجيش، إلى جانب القوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات درع السودان وجهاز المخابرات العامة وكتائب من المتطوعين المدنيين، عبر ثلاثة محاور في وقت متزامن.
وشهدت أم سيالة أعنف المواجهات، إذ استمرت الاشتباكات لأكثر من ست ساعات، قبل أن يتمكن الجيش والقوات المتحالفة معه من إحكام السيطرة على المنطقة. وقال المصدر إن المعارك أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف «الدعم السريع»، إضافة إلى تدمير والاستيلاء على عدد كبير من المركبات القتالية.
واعتبر المصدر أن السيطرة على أم سيالة كانت اللحظة الفاصلة في العملية، بسبب أهميتها الجغرافية والعسكرية، وهو ما أدى لاحقاً إلى إضعاف مواقع «الدعم السريع» في جبرة الشيخ وبارا.
مضبوطات عسكرية وخسائر بشرية
وقال مصدر ميداني في قوات درع السودان إن الجزء الأكبر من المعدات التي تم ضبطها عُثر عليه في جبرة الشيخ، التي كانت تعد مركزاً لوجستياً مهماً لـ«الدعم السريع» في شمال كردفان. وشملت المضبوطات أجهزة تشويش ومنظومات دفاع جوي وقطع غيار لمركبات قتالية، إلى جانب مخزن يحوي كميات كبيرة من المواد الغذائية.
وخلال بيانات متتابعة أصدرتها القوة المشتركة، قالت إن خسائر «الدعم السريع» شملت أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، إلى جانب تدمير 135 عربة قتالية والاستيلاء على 54 عربة أخرى بحالة سليمة.
وفي المقابل، أعلنت القوة المشتركة مقتل قائد عملياتها اللواء عبدالعزيز إسماعيل أبكر، إلى جانب مسؤول الإدارة في محور كردفان العميد عبدالله شرف الدين أبكر، خلال المواجهات.
وفي صفوف «الدعم السريع»، قُتل قائد المجموعة 142 في محور رهيد النوبة وأحد أبرز قادة القوات في شمال كردفان، الحاج حسين، إضافة إلى أحد الوجوه الإعلامية البارزة علي جيد، وعدد من القادة الميدانيين، وفق مصدر من «الدعم السريع».
البرهان يتعهد بمواصلة العمليات وحميدتي يعلن مرحلة جديدة
وبدت ثقة الجيش واضحة، الإثنين الماضي، عندما زار رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، عبدالفتاح البرهان، عدداً من البلدات التي استعادها الجيش، متعهداً بمواصلة العمليات باتجاه الغرب.
وخلال الزيارة، ردد البرهان مع الجنود الهتاف المعروف «الفاشر جوه»، وهو شعار ارتبط خلال السنوات الماضية بتطلعات الجيش إلى استعادة مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في إشارة إلى أن العمليات قد تتجه نحو الغرب.
وقال رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ركن ياسر العطا إن البرهان وجّه القوات بالتحرك باتجاه أم دافوق في جنوب دارفور على الحدود مع إفريقيا الوسطى، مؤكداً أن العمليات ستستمر على مراحل حتى تحقيق أهدافها.
وبعد ساعات من زيارة البرهان، وجّه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» رسالة إلى قواته، أعلن فيها رفع القيود المفروضة على تقدمها، ودعا إلى الدخول في مرحلة جديدة من العمليات العسكرية، مطالباً قادته بتغيير أساليب القتال ومنع تصوير العمليات العسكرية وتنقية الصفوف.
المعارك تمتد إلى دارفور
وفي تطور ميداني موازٍ، تجددت المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في عدة محاور بإقليم دارفور غربي البلاد.
ونفذ الجيش السوداني والقوات المشتركة المتحالفة معه من حركات الكفاح المسلح، خلال اليومين الماضيين، عمليات عسكرية في ولايتي غرب وشمال دارفور، استهدفت مناطق حدودية واستراتيجية، في إطار مساعٍ لتعزيز نفوذها الميداني وفتح جبهات جديدة للقتال.
وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الجيش تقترب من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الذي نفذ غارات استهدفت عدداً من المواقع العسكرية داخل المدينة. ويُعد هذا التحرك من أبرز التطورات العسكرية التي يحققها الجيش السوداني في إقليم دارفور منذ أشهر.
وكانت القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش قد أعلنت، الاثنين، سيطرتها على مدينة كلبس بولاية غرب دارفور، الواقعة على الحدود مع تشاد، فيما أكدت استمرار سيطرتها على مناطق الطينة وكرنوي وأمبرو في شمال الإقليم.
وقال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني السابق، هاشم عبد المطلب، إن الجيش والقوات المتحالفة معه نفذوا ما وصفه بـ«مناورة ناجحة» أعادت المعارك إلى إقليم دارفور، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس تطوراً في إدارة العمليات العسكرية، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة تطورات ميدانية جديدة في دارفور.
انتقام ضد المدنيين
وفي أعقاب المعارك، تعرض مدنيون اتُهموا بالتعاون مع الجيش لهجمات انتقامية. وقالت شبكة أطباء السودان إن تسعة مدنيين قُتلوا وأصيب 14 آخرون في هجوم شنته «الدعم السريع» الأربعاء الماضي على منطقة الجمامة في شمال كردفان.
وأوضحت الشبكة أن الهجوم جاء، بحسب المعلومات التي حصلت عليها، على خلفية اتهام السكان بالتعاون مع القوات المسلحة، مشيرة إلى أن الأحداث تسببت في نزوح عدد كبير من الأهالي، فضلاً عن نهب السوق والمركز الصحي وممتلكات المدنيين.
الخرطوم و«الدعم السريع» يبدآن حصر المحتجزين تمهيداً لمبادرة تبادل برعاية أممية
بدأت الحكومة السودانية أولى الخطوات العملية باتجاه عملية قد تصبح أول تبادل واسع للمحتجزين منذ اندلاع الحرب، في محاولة لإحياء أحد الإجراءات الإنسانية التي سبق طرحها بين الجيش و«الدعم السريع» خلال محادثات جدة في نوفمبر 2023.
وعقب المبادرة التي قدمها الشهر الماضي المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، شكّل مجلس السيادة الانتقالي لجنة تحضيرية لتبادل المحتجزين، وأسند إليها مهمة إعداد سجل موحد ومدقق للأشخاص المحتجزين.
ودعت اللجنة الأحد الماضي المواطنين الذين لديهم أقارب محتجزون أو مفقودون ولم يقدموا بلاغات سابقة إلى تسجيل بياناتهم لدى أقرب مركز شرطة أو نيابة عامة خلال أسبوع.
وقال مصدران رفيعان، أحدهما في الجيش والآخر في «الدعم السريع»، إن أي عملية تبادل ستحتاج إلى ضمانات مشددة تمنع استخدامها لتحقيق مكاسب عسكرية، إضافة إلى ترتيبات واضحة للنقل والتسليم تحت رقابة دولية.
وأكد مصدر عسكري رفيع أن توجيهات صدرت بإعطاء المدنيين المحتجزين أولوية خاصة، مع التشديد على حماية حقوقهم الأساسية وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين والمرضى.
وفي المقابل، قال مصدر قيادي في «الدعم السريع» إن قواته بدأت حصر الأسرى والمحتجزين الموجودين في المناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك إعداد بيانات أولية عن أوضاعهم الصحية، مشترطاً توفير ممرات إنسانية محايدة وضمان عدم استخدام العملية لتحقيق أهداف عسكرية.
«إيقاد» تعيد افتتاح مكتبها في الخرطوم
وصل السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، ورقنيه قبيهو، إلى الخرطوم الخميس الماضي، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب، تزامنت مع إعادة افتتاح المكتب الرئيسي للهيئة في العاصمة السودانية.
وقال مصدر دبلوماسي في مكتب «إيقاد» بالخرطوم إن إعادة افتتاح المكتب تهدف إلى تسهيل التواصل المباشر مع مختلف الأطراف، ودعم الجهود الإنسانية، وتنسيق المبادرات الإقليمية الهادفة إلى تخفيف الأزمة والمساهمة في استعادة الاستقرار.
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من التوتر بين الحكومة السودانية والتكتل الإقليمي. ففي عام 2024، أعلنت الخرطوم تجميد عضويتها في «إيقاد»، متهمة المنظمة بالتدخل في الشأن السوداني وانتهاك السيادة الوطنية، قبل أن يوافق مجلس الأمن والدفاع السوداني في فبراير الماضي على إنهاء التجميد عقب وساطة جيبوتية.
سلفا كير يدعو البرهان إلى قمة في جوبا لبحث الملفات العالقة
وصل توت قلواك، مستشار الشؤون الأمنية لرئيس جنوب السودان سلفا كير، إلى الخرطوم الأربعاء الماضي، حاملاً رسالة من كير إلى البرهان.
وبحسب مصدر دبلوماسي سوداني مطلع على المباحثات، تضمنت الرسالة دعوة للبرهان إلى زيارة جوبا لعقد قمة ثنائية خلال الأسابيع المقبلة، بهدف بحث عدد من الملفات العالقة، بينها الحدود والترتيبات الأمنية والقضايا الاقتصادية التي توقفت خلال الفترة الماضية.
كما تناولت مباحثات قلواك ملفاً إقليمياً حساساً يتعلق بالعلاقات بين جوبا والقاهرة، في ظل تنامي انخراط الخرطوم في هذه العلاقة.
وقالت مصادر سودانية وجنوب سودانية إن البلدين يتابعان بقلق التوتر والفتور الذي طرأ أخيراً على العلاقة، مشيرة إلى أن البرهان يحرص على إبقاء العلاقات مع جوبا مستقرة، خصوصاً أن أي تدهور قد ينعكس على الوضع الأمني على الحدود، فضلاً عن تأثيره المحتمل على اقتصاد البلدين المرتبطين بعدد من المصالح المشتركة.
جمود في العملية السياسية
وبينما بدأ ملف المحتجزين يتحرك ببطء، لا تزال العملية السياسية في السودان تواجه حالة من الجمود.
وقال مسؤول رفيع في مفوضية الاتحاد الإفريقي إن القوى السياسية السودانية المتنافسة لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم المطلوب لبدء مفاوضات حقيقية، سواء ضمن الحوار الذي يعتزم البرهان عقده داخل البلاد أو من خلال مسار ترعاه أطراف دولية.
وجاءت تصريحات المسؤول عقب محاولة جديدة لم تنجح فيها «الخماسية» المكونة من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي و«إيقاد» لعقد محادثات في أديس أبابا. وتحولت المبادرة مرة أخرى إلى لقاءات منفصلة بين الأطراف، وهي صيغة وصفها مصدر آخر في الاتحاد الإفريقي بأنها تفتقر إلى الفاعلية والقدرة على تحقيق اختراق سياسي.
«تأسيس»: التصعيد أضعف فرص الهدنة
وبحلول الأربعاء، قال تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «الدعم السريع» ويشكّل المظلة السياسية للحكومة الموازية في غرب السودان، إن التطورات العسكرية الأخيرة أضعفت عملياً فرص الاستجابة للنداءات الدولية الرامية إلى ضبط النفس أو التوصل إلى هدنة إنسانية.
ولا يزال من غير الواضح كيف ستنعكس هذه التطورات على المسارات الدبلوماسية التي بدأت تتحرك خلال الأسابيع الأخيرة. كما تثير المعارك الجديدة مخاوف بشأن واحد من الملفات القليلة التي منحت آلاف أسر المحتجزين والمفقودين بعض الأمل، بعدما طُرحت خلال الشهر الماضي مبادرة أممية للتوسط في عملية قد تكون أول عملية تبادل واسعة للمحتجزين منذ اندلاع الحرب.
ويرى ضابط عسكري سابق أن الجيش قد يسعى إلى استثمار هذا التقدم وتوسيع عملياته خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن المناطق التي ما تزال تحت سيطرة «الدعم السريع» في شمال كردفان تشكل ممرات استراتيجية لحركة الإمدادات القادمة من دارفور.
وأشار إلى احتمال تقدم القوات غرباً باتجاه المزروب وسودري وحمرة الشيخ وأم بادر، وهو ما قد يفتح الطريق نحو دارفور، بالتزامن مع إمكانية تحرك محور آخر عبر أم صميمة باتجاه الخوي والنهود والفولة في غرب كردفان ثم بابنوسة.
وباتت الخرطوم، وفق مصدر دبلوماسي سوداني، في وضع عسكري أكثر قوة قد يمنحها مساحة أكبر للمناورة خلال أي مفاوضات مقبلة، وربما يسمح لها بطرح شروط تحمل تأثيرات مباشرة على العلاقات مع جنوب السودان.