شهدت النيجر يوم السبت محاولة انقلابية نُفِّذَت بهدف الإطاحة بالمجلس العسكري الحاكم. و قد تسببت هذه المحاولة قبل افشالها الي حدوث اشتباكات مسلحة في محيط مطار نيامي و المؤسسات الرسمية. و ادت هذه الاشتباكات الي تعطيل المؤسسات الرسمية وانقطاع مؤقت لبث الإذاعة والتلفزيون. و قد تم التصدي للانقلابيين من قبل الحرس الرئاسي وبمساعدة القوات الروسية المتمركزة في نيامي.

للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
وأعلنت الحكومة أنها قتلت أو اعتقلت عشرات الضباط والجنود المتورطين في العملية. إلا أن رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر لم يظهر علنًا حتى الآن. وقد أظهرت هذه المحاولة الانقلابية وردود الافعال الدولية عليه، ولا سيما إرسال الجزائر طائرات مقاتلة إلى نيامي لدعم الحكومة القائمة، مؤشرات على تغير في نهج الجزائر تجاه التطورات على حدودها الجنوبية. وبناءً على ذلك، يبرز التساؤل الرئيسي حول أبعاد هذا الاختلاف في النهج والعوامل الناجمة عنه.

الجزائر ، فرنسا والمخاوف المشتركة في ملف الساحل
لطالما شكلت سلسلة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتغيرات الجذرية التي شهدتها هذه الدول خاصة خروج هذه الدول من عباءة فرنسا و دخولها في الفلك الروسي، مصدر قلق للدول المحيطة بالمنطقة، فضلاً عن القوى الغربية الإقليمية والدولية.
وقد اتخذت جهات غربية فاعلة، كالولايات المتحدة وفرنسا، موقفاً عدائياً تجاه هذه الانقلابات والأنظمة السياسية التي انبثقت عنها، نظراً لنهج هذه الدول المعادي للغرب، وتزايد النفوذ الروسي فيها، الأمر الذي أدى إلى تراجع الوجود العسكري والأمني الغربي في المنطقة و تناقص الحضور الاستخباراتي و الأمني و العسكري لهذه الدول. و قد تسبب هذا التراجع الي خروج القوات الفرنسية و الأمريكية من الكثير من دول المنطقة خاصة النيجر و مالي ما تسبب في فراغ أمني استغلته الجماعات الانفصالية و كذلك السلفية الجهادية.
فيما يتعلق باالجزائر، فبرغم انتقادات الجزائرية للدور السلبي لفرنساد في منطقة الساحل لكنها نظراً لهشاشة دول الساحل، وضعف حكوماتها في ملئ الفراغ الناجم عن انسحاب الغربي تري بأن نهج دول الساحل العدائي للغرب سيزيد احتمالية تسرب المشكلات الأمنية الي ترابها الوطني.
كذلك تري الجزائر المناطق الشمالية لمالي و النيجر كمجال نفوذ حيوي و خط دفاع اول عن حدودها الجنوبية الواسعة. لذلك كنوت الجزائر علي مدي سنوات علاقات واسعة مع الجماعات المحلية من الطوارق مستغلة تواجد مجتمعات الطوارق علي طرفي الحدود و علاقاتها الاجتماعية و كذلك سيطرتها علي طرق التهريب عن طريق اعطاء هذه المجتمعات مزايا و اعفاءات في مجال تهريب البضائع الغير خطرة كالوقود و السجائر. هذا النفوذ التقليدي جعل الجزائر من عام 2012 تعمل كضامن لاتفاقيات السلام بين الانفصاليي الطوارق و الحكومة المالية.
كذلك لعبت الجزائر دور مهم في التوسط بين الحكومات المالية المتعاقبة و الجماعات المعارضة في البلاد. لذلك تسبب الغاء اتفاقية سلام 2015 مع الجماعات الانفصالية من قبل الحكومة المالية الي امتعاض الجزائر نظرا للدور التي لعبته هذه الدولة في بلورة هذا الاتفاق و توقيعها علي اراضيها. كذلك تري الحكومة المالية استضافة الشيخ محمود ديكو، الشخصية المعارضة الرئيسية في البلاد من قبل الجزائر تدخل في شئونها الداخلية.
تنظر الجزائر بقلق الي زيادة النفوذ و التواجد الروسي في دول الساحل لأنها تري موسكو لديها مصلحة لاستمرار حالة اللاستقرار في هذه البلدان لتخلق قلق أمني للحكومات الغربية و هذا ما سيؤدي ايضا الي الاضرار باستقرار الجزائر. كذلك تري الجزائر بأن روسيا باستراتيجيتها العسكرية القائمة علي تدخلات منخفضة التكلفة لن تتمكن من ملئ الفراغ الفرنسي الامريكي في منطقة تراها مجالها الحيوي. كذلك تري الجزائر بأن التواجد الروسي سيؤدي الي دخول المنطقة في دوامة من الصراعات الجيوسياسية العالمية مما سيضر باستقرار المنطقة و احتمالية التأثير سلبا عليها.
و في النهاية تري الجزائر المندمجة مع مسارات نقل الطاقة الغربية و المستفيدة من السعي الغربي لاستبدلال النفط و الغاز الروسي و الساعية الي التحول الي مركز اقليمي للطاقة بأن التواجد الروسي علي حدودها الجنوبية سيؤدي الي تقويض خططها للتحول الي مركز اقليمي للطاقة بسبب عرقلتها المحتملة لممرات نقل الطاقة من نيجيريا إلى أوروبا عبر الجزائر. لذلك فقد اتخذت الجزائر موقفاً غير ودي تجاه هذه الانقلابات، وخاصة في مالي. وقد أدى ذلك إلى توتر العلاقات بين الجزائر ومالي والنيجر، ودخولها في سلسلة من الأزمات السياسية والحدودية وصلت الي حد سحب السفراء و غلق المجال الجوي الجزائري تجاه الطيران المالي.
على الرغم من اختلاف جذور هذا القلق المشترك بين الجزائر وفرنسا، إلا أنه دفع دول الساحل إلى اتهام كليهما باتخاذ خطوات لإسقاط الأنظمة السياسية في هذه الدول وزعزعة استقرارها. وفي هذا السياق، اتهمت دول الساحل، ولا سيما مالي، الجزائر مراراً وتكراراً بدعم الجماعات الإرهابية والانفصالية، وهو ما تنفيه الجزائر دائماً.
موقف الجزائر من الانقلاب في النيجر ومؤشرات على تغيير في نهج الجزائر تجاه دول الساحل
لطالما اعتبرت الجزائر منطقة الساحل، ولا سيما المناطق المحيطة بحدودها مع النيجر ومالي، مجال نفوذها الحيوي. وينبع هذا من كون هذه الحدود الطويلة وهشاشة الحكومات الإقليمية قد تؤدي إلى انعدام الأمن وعدم الاستقرار في المناطق الجنوبية الغنية بالنفط في الجزائر. ولذلك، تعتبر الجزائر استقرار مالي والنيجر من أهم أولوياتها الاستراتيجية، وتعتبر أي عمل يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في هاتين الدولتين مخالفًا لمصالحها.
من جهة أخرى، دفعت العلاقات التاريخية والاجتماعية العابرة للحدود لجماعة الطوارق العرقية في منطقة الصحراء، وهيمنتها على طرق التجارة غير المشروعة واستخدامها لهذه الطرق لتجارة الوقود والتبغ وغيرها، إلى جانب تخلف المناطق الجنوبية من الجزائر، جهاز الأمن الجزائري إلى اعتبار العلاقات مع مجتمعات الطوارق المحلية في مالي والنيجر إحدى الأدوات المهمة لضمان أمن حدودها. ولذلك، لطالما انخرطت الجزائر بنشاط في الوساطة بين الطوارق والحكومة المركزية في مالي.
وقد أدى ذلك إلى قيام الحكومة المالية بإلغاء معاهدات السلام مع متمردي الطوارق، وهو ما رافقه رد فعل من الحكومة الجزائرية بصفتها الضامن لهذه الاتفاقيات. وتعتبر الجزائر السياسة العدائية التي تنتهجها حكومات الساحل تجاه فرنسا والطوارق، فضلاً عن وجود روسيا، عاملاً في تفاقم عدم الاستقرار وتهديداً لحدودها الجنوبية. كما ترى الجزائر أن وجود روسيا يتعارض مع خططها الطموحة لنقل الغاز النيجيري إلى الجزائر وتحويلها إلى مركز رئيسي للغاز في غرب البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى ذلك، تتطلع الجزائر إلى تبني حكومات الساحل نهجاً أكثر سلمية وإشراك المعارضين السياسيين في الحكومة.

يتشارك نهج الجزائر تجاه دول الساحل مصالح الدول الغربية في بعض الجوانب، لا سيما معارضتها لنهج حكومات هذه الدول وتخوفها من النفوذ الروسي المتزايد فيها. مع ذلك، يبدو أن الجزائر باتت غير راضية عن النهج الفرنسي القائم على إضعاف حكومات اتحاد دول الساحل ودعم الاجنحة المعارضة للمجلس العسكري في الجيش، ودعم الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة، وفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق الذي سيؤدي حكما إلى مزيد من عدم الاستقرار في هذه الدول و تزايد احتمالية انهيار السلطة المركزية فيها. لأن يُعدّ تصاعد عدم الاستقرار في دول الساحل، وخاصة مالي والنيجر، ولا سيما فقدان السيطرة على أجزاء كبيرة من أراضيها من قِبل ميليشيات تابعة لتنظيم القاعدة، مؤشراً خطيراً على الاخطار التي تواجه استقرار الجزائر.
وقد دفعت هذه المؤشرات الي حدوث تغييرات في سياسة الجزائر تجاه هذه الدول و دفعتها إلى تحسين علاقاتها مع دول اتحاد الساحل منذ بداية هذا العام بهدف استعادة التوازن للوضع الراهن. وقد تم تطبيق هذه السياسة الجديدة بسرعة أكبر في النيجر، التي لديها نزاعات أقل مع الجزائر منذ بدايات العام الحالي، وأدىت سياسة خفض التصعيد و عودة دفئ العلاقات مع النيجر إلى انخفاض التوتر وتحسين العلاقات مع مالي منذ مارس 2026. بالإضافة إلى ذلك من المحتمل أن يكون لزيادة الوجود التركي في هذه البلدان و دورها المتنامي في منطقة الساحل والعلاقات الوثيقة بين أنقرة والجزائر دور فعال في تحسين العلاقات مع دول الساحل.
على الرغم من عدم رضي الحكومة الجزائرية من التوجهات السياسية و الأمنية لإتحاد دول الساحل، يبدو أنها ترى أنَّ محاولات اسقاط هذه الانظمة غربياً سوف يتسبب في تدهور اكبر في الوضع الأمني و السياسي الهش اصلا نتيجة لزيادة الصراعات العرقية والاجتماعية، فضلاً عن تنامي النفوذ الصهيوني على حدودها. ولذلك، قررت الجزايئر دعم الأنظمة السياسية القائمة في دول الساحل وحل خلافاتها معها عبر القنوات الثنائية. ويُعدّ إرسال طائرات مقاتلة جزائرية من طراز سوخوي سو-30 إلى نيامي لدعم هذه الأنظمة أبرز تجليات هذه المقاربة الجديدة.

أثر المقاربة الجزائرية الجديدة على منطقة الساحل
منذ تولي عبد المجيد تبون الرئاسة، سعت السياسة الخارجية الجزائرية إلى تبني نهج جديد، وتحقيق توازن بين المبادئ التاريخية للسياسة الخارجية، بما في ذلك مبادئ عدم الانحياز و رفض التدخل في الشئون الداخلية للدول، والتحديات الأمنية المستجدة في محيطها خاصة فيما تعتبره مجالها الحيوي. ولذلك، سعت الجزائر في السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضورها في محيطها.

ويبدو الآن أن الجزائر تتجه نحو حل مشاكلها مع دول الساحل عبر القنوات الثنائية ودعم الأنظمة القائمة بمساعدة تركية. وستُمكّن هذه المقاربة الجديدة تجاه مالي والنيجر وبوركينا فاسو هذه الدول من مواجهة التحديات المقبلة بشكل لا سيما النزعات الانفصالية والإرهاب. كما يُمكن لهذه المقاربة أن تمهد الطريق لمبادرات جديدة لإنهاء التمردات الانفصالية وإعادة المعارضين السياسيين إلى هذه الدول. بيد أن التحديات الجمة التي تواجة دول اتحاد دول الساحل و احتمالية تحول هذه المنطقة الي ساحة للصراعات الجيوسياسية يمكن أن يعرقل هذا الاتجاه.